السعيد شنوقة

423

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

ويقيموا أركانها ويكملوها بسننها وآدابها » ثم أضاف « ويحفظوها من الإحباط باقتراف المآثم » « 1 » وإلى تعليل أفعال الله عز وجل على قاعدة مذهبه ؛ فقد بنى الزمخشري أن الألم لا يجوز من الله سبحانه إلا باستحقاق سابق أو لعوض أو لمصلحة من المصالح كما رأينا هذا لهم في مسألة الصلاح والأصلح ، والذي يبين نزوعه إلى هذا هو تفسير للآية : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] : بيان بأن إغراقهم بالطوفان وإدخالهم النار لم يكن إلا من أجل خطيئاتهم « 2 » . وهم يعتقدون أن الله تعالى لا يريد من الأفعال إلا ما أمرهم به . أن المعاصي التي تصدر منهم فهم الذين أرادوها لأن الله لا يريد ما يصدر عن الإنسان من أفعال نهى عنها كالسرقة والكذب والزنا وغيرها من الفواحش كالكفر ، وما شابهها من المعاصي . ويعرف هذا بالتبعيض عندهم في المشيئة . ويمكن اكتشاف هذه الخلفية في تفسيره قوله عز وجل : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ المدثر : 31 ] ؛ فهو يعتقد أن الله تعالى ما فتنهم بل هم الذين فتنوا أنفسهم ، ولا يخفى ما في هذا من تعزيز مذهبه . قال : " فإن قلت : قد جعل افتتان الكافرين بعدة الزبانية سببا لاستيقان أهل الكتاب وزيادة إيمان المؤمنين واستهزاء الكافرين والمنافقين ؛ فما وجه صحة ذلك ؟ قلت : ما جعل افتتانهم بالعدة سببا لذلك ، وإنما العدة نفسها هي التي جعلت سببا ؛ وذلك أن المراد بقوله : وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ( الآية ) وما جعلنا عدّتهم إلا تسعة عشر فوضع فتنة للذين كفروا موضع تسعة عشر ؛ لأن حال هذه العدة الناقصة واحد من عقد العشرين أن يفتتن بها من لا يؤمن بالله وبحكمته ويعترض ويستهزئ ولا يذعن إذعان المؤمن وإن خفي عليه وجه الحكمة » « 3 » . ويثبت من طريق العقل أيضا بأن الله تعالى قادر على أن يجمع الناس على الإسلام بالقهر والإلجاء غير أن حكمته سبحانه اقتضت أن يخلقهم ليعذب من أراد

--> ( 1 ) م ن ، ج 4 ، ص 159 . ( 2 ) الكشاف ، ج 4 ، ص 164 . ( 3 ) م ن ، ج 4 ، ص 184 - 226 .